06 Dec

وائل: هذه مأساتي. لم أستطع التبليغ عن مغتصبي في مكان عملي!

أن يحدّد الناس هويّتك الجندرية وميولك الجنسية أمر في منتهى الإرباك. هذا على الأقلّ ما شعرت به وما زلت. لم أكن أعرف كيف يفكّر الناس بي وما يقولونه عنّي في محيطي ومكان عملي. ولكنّني، في داخلي، عرفت أنّ بي شيئًا مختلفًا عن باقي الذكور، يجعل نظرة الناس تجاهي مختلفة.

لا أنكر أنّني كنت أهتمّ بجمال شكليّ، وأحاول أن أصلح ما أراه غير مرضٍ فيّ. ولم أدرك حقيقة ما يراه النّاس، ولم أعرف أنّ بعضًا منهم يدري أنّني مثليّ الجنس. كنت مرتاحًا لفكرة أنّ في داخلي سرّا لا يعرفه أحد غيري. ولم أعرف أنّني سأكون ضّحية لمحاولات تحرّش واعتداء في مكان العمل مرّة بعد مرّة، ولأنّني مثليّ الجنس، ستبدأ معاناتي المستمرة وتُنتهك حقوقي دائمًا وأبدًا.

صغيرًا غادرت بلدي الأم إلى لبنان، بعدما ساء الوضع الأمنيّ هناك. دفعتني إلى ذلك حاجتي للمال، كوني المعيل الوحيد لعائلتي بعدما تركنا والدي وتزوج من امرأة أخرى. كان من الصّعب عليّ أن أرتاد المدرسة نهارًا وأعمل ليلاً، مع أنّني حاولت. لذلك كان قراري أن أختار العمل، الأمر الأصحّ.

وبما أن جزءًا كبيرًا من أقاربي بمن فيهم أختي، يعيشون في لبنان، كان من السّهل أن أختار وجهتي. غادرت بلدي وعائلتي وكنت حزينًا لهذا القرار، خصوصًا أنّني كنت أنهي علاقة عاطفيّة ربطتني بأحد أقاربي.

بعد عدد من الوظائف التي جرّبتها، استقر بي الأمر في العمل في إحدى الاستراحات بين بيروت ودمشق. وكنت قد حصلت على أوراق الإقامة التي تثبت أن وجودي في لبنان أصبح شرعيًّا، ولم أكن أبلغ من العمر حينها أكثر من خمس عشرة سنة.

أجري الذي كنت أتقاضاه من العمل بلغ أربعمئة وخمسين ألف ليرة لبنانيّة، كان يكفيني لتأمين الحد الأدنى من احتياجات عائلتي، وقد سمح لي صاحب العمل بالمبيت في غرفة تابعة للاستراحة، إذ كانت تزدحم بي وببقيّة العاملين لديه ممّن قدموا من سوريا أيضًا. وفي تلك الغرفة بالذات كان التحرّش الأول الذي تعرّضت له من زميل لي؛ كان يراقبني دائمًا، وينتظر حتّى أنهي دوامي ليلحق بي، ويتحيّن فرصة خلوّ الغرفة إلّا مني ويكرّر محاولته علّه ينجح، ويستدرجني إلى إقامة علاقة معه. ورغم كلّ محاولاتي لإيقافه لم يكن ليتوقف. رفضت وقاومت حتى أنّني في إحدى المرّات اضطررت إلى استخدام سكين لتخويفه وإبعاده عنّي.

مرّت الأيّام وأنا أعيش حالة خوف من أن يكتشف زملائي في العمل ما يجري معي، بعدما تيقّنت أنّ سرّي لم يعد سرًّا، بل صار معروفًا دون أن أخبر أحدًا به، بسبب شكلي وحركاتي التي لم أستطع أن أخفيها لأنّها جزء من طبيعتي. صرت أتخيّل ردود فعل صاحب العمل وبقية الموظفين إن علموا أن المتحرّش نفسه أيضًا زميلي في العمل.

بعد نحو سنة تقريبًا، التحق بي أمّي وإخوتي واستأجرنا غرفة صغيرة، فكان عليّ أن أترك مكان إقامتي في العمل حتى أكون معهم. كانت الغرفة التي استأجرناها بعيدة عن مكان عملي، لكنَ أصحاب العمل كانوا يؤمّنون إيصال العمال إلى بيوتهم في سيارة مخصّصة لذلك، ما سهّل عليّ عملية التنقل بين البيت والعمل.

ذات ليلة، تعطّلت السّيارة. وكان دوامي في العمل ينتهي في الثانية عشرة ليلاً، ووجدت نفسي مضطرًّا ليلتها إلى الأخذ بنصيحة صاحب العمل، وأن أسير مسافة طويلة نسبيًّا حتى أصل إلى مكان يسهل عليّ فيه العثور على سيّارة تقلّني، وهكذا كان.

وقفت عند أحد المفارق وإذ بسيّارة تقترب مني وتتوقّف. خاطبني السّائق بودّ وكان رجل أربعيني:” لوين رايح عمو؟” أجبته إنّني عائد من عملي إلى البيت، فأبدى استعداده لإيصالي. ما إن ركبت السيارة وسار بي مسافة قصيرة، حتى دخل طريقًا فرعيًّا، فأصابني الذعر. طلبت منه أن يتوقّف لكنّه أخذ يهدّئني ويطمئنني بأنّه يريد أن يوصل في طريقه غرضًا ما لأحد معارفه.عارضته وألححت عليه أن ينزلني، وحاولت أن أفتح الباب، فبادر إلى إقفاله، وأصبحت أسيرًا لا مهرب لي.

كنت أحاول تكرارًا أن أفتح باب السيّارة، لكن دون جدوى. حاولت أن أستخدم هاتفي كي أتّصل بأحد أقاربي أو بصاحب العمل، لكنّه أخذ الهاتف منّي وتابع قيادة السيّارة، إلى أن وصل بي إلى أرض معزولة كليًّا. كلمات مثل “خوف” أو “رعب” لن تكفي لوصف الحالة التي أصابتني، كنت مذعورًا أبكي وأرجوه أن ينزلني.أخبرته أنّني مريض، وأنّ أي حالة خوف قد تفقدني وعيي، لكنّه لم يكن ليسمع أمام الرّغبة المقرفة التي كانت تتملّكه. وكان كلّما زاد صراخي وبكائي يزداد إلحاحًا وعدوانيّة، حتى استطاع أن يجرّدني من ملابسي ويغتصبني. بعد أن انتهى منّي فتح باب السّيارة ورماني خارجها.

لا أدري من أين جاءتني القوة، وقبل أن أخرج من السّيارة استطعت أن أستعيد هاتفي وأخذت هاتفه أيضًا. صرت أركض في السهل الموحل من جرّاء المطر الغزير الذي كان يتساقط في تلك الليلة، وأسمع صوته يناديني ويهدّدني لأعيد له هاتفه.

وصلت إلى البيت في حالة يرثى لها، وما أن لمحت أمّي حتّى انهرت من البكاء. لم تستطع أن تفهم منّي ما حدث، اغتسلت وهدأت قليلاً، وحاولت أن أنام لكن رائحة الرّجل كانت توقظني في كل مرّة كانت تغمض فيها عيناي. في اليوم التّالي، أخبرت أمّي بكل ما حصل معي، واتّصلت بصاحب العمل وقلت له بأنّني متوعك ولن يكون بمقدوري أن أذهب إلى الدّوام.

مرّ اليوم الأول على اغتصابي والثّاني والثّالث والرّابع، وأنا قابع في زاوية من الغرفة لا أقوى على الكلام مع أحد، ولم أستطع خلالها أن أتناول أي طعام. وأمّي الحزينة على حالي، تشجعني بكلماتها الحنونة كي تنجح في وضع لقمة من الطّعام في فمي وكثيراً ما كانت تفشل.

في اليوم الرّابع اتّصل بي صاحب العمل ليعرف سبب تغيّبي. أخبرته بكلّ ما حصل معي في تلك الليلة، وأبلغته عن رغبتي في التّقدم بشكوى ضدّ الرّجل المعتدي في مخفر المنطقة الـتي أعمل فيها. ووعدني بأن يصطحبني هو بنفسه إلى المخفر، وهكذا كان.

في المخفر قابلنا الضّابط المسؤول، وسمع منّي كلّ التفاصيل، وأعطيته هاتف الرّجل، ومن خلال تفحّصهم للهاتف عرفوا صاحبه وقاموا باستدعائه. ولم يمض وقت طويل حتى كان ماثلًا أمام الضّابط. سلّم الضّابط عليه سلام معرفة، وكذلك فعل صاحب العمل، وطلبوا منّي أن أنتظر في الخارج ريثما ينتهي الضّابط من التحقيق. خرجت ولحق بي مديري وبدأ يحدّثني عن الرّجل المعتدي بأنّه صاحب نفوذ، وليس من مصلحتي أن أتقدّم بشكوى ضدّه. حاول أن يصطنع معي دور الأب الحريص على مصلحة ابنه، وذكّرني بأنني لم أجدّد أوراقي وهذا سيدخلني في تحقيق آخر قد يؤدّي بي إلى مغادرة لبنان وعودتي إلى سوريا. حاولت أن أجعله يفهم أن تكلفة المعاملات كانت السّبب الأساس وراء عدم تجديد أوراقي، وبأنني لو جدّدتها كنا سنقضي الشّهر أنا وعائلتي من بدون مال؛ لكنّه كان يضحك ويهدّئني وينصحني بالتنازل عن الشّكوى، ومرغمًا فعلت ما طلبه منّي.

رأيت الرّجل المعتدي يخرج من المخفر ويقترب منّا ضاحكًا، وأخذ يحدّثني مبديًا تعجّبه من ردّة فعلي على اغتصابه لي، وكأنّه يقول لي بأنّني ذلك الشّاب المثليّ الجنس الّذي كان عليه أن يستمتع في تلك الليلة. وانتهى النّهار وعاد هو إلى حياته اليوميّة منتصرا كأنّ شيئاً لم يكن، وعدت أنا إلى بيتي وعملي مهزومًا ومنتهكًا وعاجزًا.

هل هكذا تُحفظ كرامة الأشخاص وتُحصّل الحقوق؟ لم أعُد قادرًا على حماية نفسي حتى في مكان لقمة عيشي! أتعرّض للتهديد لأن من إعتدى عليّ صاحب نفوذ فكيف لو علم صاحب العمل أنّ أوّل من تحرّش بي كان موظفًا لديه؟ سأُطرد حتمًا! كيف سأنعم بالأمان والإطمئنان بعد الآن في مكان أنا مُهدّد فيه كلّ يوم بالتحرش والتعرّض للإهانة واحتمال الطرد؟ وإن تعرّضت لأيّ نوع من الإنتهاك في مكان عملي إلى من سألجأ؟ طبعاً لا أحد يهتمّ! فكيف إذا كنتُ مثليّ الجنس! سيفعلون بي ما يشاؤون لأنّهم يدركون أنّهم دائمًا منتصرون.

منذ تلك الّليلة وأنا أعيش أكثر عزلة، لم أعد أثق بأحد، أعيش حياتي على الهامش، لا أجرؤ على التّعبير عن نفسي، وأخفي سرّي عن عائلتي وحتى أنني لا أعيش بسلام حتى في مكان عملي. فأنا أخاف من اكتشاف ميولي الجنسيّة والقيام بطردي. سكت عن التحرّش وفي حال تكرّر لا أعرف ماذا أفعل، وكيف أدافع عن نفسي، وإلى من التجىء.

تم نشر هذه القصة كجزء من مشروع “تعزيز شمولية أفراد مجتمع الميم في أماكن العمل في لبنان”، المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي، والتي تنفذه جمعية العناية الصحية بالشراكة مع ACTED.  

related posts