02 Dec

ندين: لم أخضع لصاحب العمل فاتّهمني بأنّني سارقة ومتحرّشة أمام الجميع!

أنا امرأة. مشاعري وأحاسيسي وأفكاري، هي مشاعر وأحاسيس وأفكار امرأة، حتّى في تطلّعاتي للمستقبل، أنا امرأة. ما يميّزني عن غيري من الّنساء هي أجزاء من جسمي تخبر الجميع بأنّني ذكر.

سعيت كثيراً لأن أخضع لعمليّة تحويل جنس لكنّي فشلت، فأنا لست صاحبة ثروة. كما أنّ دخلي لا يمكّنني من صرف مبالغ كبيرة لأجري العمليّة، وأصبح امرأة، أعيش على طبيعتي وأحقّق لنفسي الأمان.

الخوف كان مرافقي الدّائم؛ خوفي من معاملة أهلي وقسوتهم عليّ، خوفي من نظرة المجتمع تجاهي، وسخريته منّي وثرثرته عليّ، كذلك خوفي من الأيّام وما تخبّئه لي من مصير لا أملك زمام التّحكّم به مطلقًا.

ولم تكفني كلّ تلك المخاوف والعذابات، ليأتيني الخوف على حياتي وحياة الّذين أحبّهم، بسبب الأحداث الّتي جرت وما زالت تجري في بلدي سوريا، والّتي دفعتني لمغادرته واللجوء إلى لبنان.

كثيرة كانت الصّعوبات الّتي واجهتني في البلد الجديد، وكنت كلّما حاولت أن أتعرّف على أحد، لبنانيًّا كان أم سوريًّا، لمساعدتي على إيجاد سكن أو عمل، أقابل بمعاملة سيّئة وساخرة. البعض كان يقول لي بمنتهى الصّراحة، إنّ وجودي بقربهم وصمة لهم، ويطلبون منّي عدم التّواصل معهم. والبعض الآخر كان يتهرّب من الحديث معي، حتّى أنّ منهم من كان يسمعني كلمات لا ترقى إلى المستوى الإنسانيّ.

كل الدّروب بالنّسبة إليّ كانت مقفلة، ومحاولاتي في البحث عن مسكن وعمل كان مصيرها الفشل، حتّى شاءت الصّدف أن أقرأ إعلانًا عن حاجة أحد مصمّمي الأزياء لشخص يتقن الخياطة، بعدما تركه أحد الخيّاطين العاملين لديه دون سابق إنذار. وهكذا بدأت الحياة تضحك لي، فالدخل الشهريّ كان مغريًا، وسرعان ما استطعت ترتيب أموري بإيجاد مسكن مستقل.

مرّت سنوات وأنا أعمل في هذه المؤسّسة، وكنت من البارعين في مهنتي، وهذا ما ميّزني عن الآخرين من وجهة نظر صاحب العمل. ورغم أن بعض من زملائي لم تكن تروق لهم شخصيّتي، وهذا بدا واضحًا من سلوكهم المتهكّم معي، إلّا أنّني كنت قد تعوّدت على مثل هذه المعاملة، وقرّرت أن أتجاهلهم وأركّز على عملي أكثر فأكثر.

وكأنّ القدر كان يقف لي دائمًا بالمرصاد. ففي صباح أحد الأيام، وصلت إلى مكان عملي كالمعتاد، لأجد جميع الموظّفين متحلّقين حول أحد الأشخاص، يتحدّثون معه بحماس وفرح، وتهيّأ لي أنّ أصوات ضحكاتهم تصل إلى السّماء. وما أن رأوني حتّى بدأوا يشيرون إليّ، ويهمسون بكلمات لم أفهمها. وأنا بدوري همست لنفسي، متمنّيةً أن يمرّ هذا النّهار على خير، وكأن حدسي أنبأني بأن نهاية السّعادة اقتربت.

توجه الرّجل نحوي، وبكل احترام عرّفني عن نفسه بأنّه شريك في المؤسّسة. وأخبرني أنّه سمع كلامًا طيّبًا عن عملي، وتوجّه إلى مكتبه.

وجود هذا الشّخص كان يضفي عليّ ثقلًا لم أستطع أن أتجاهله، فقد كان يلاحقني أينما تواجدت، وإذا لم يكن قربي، كنت أشعر بعيونه تراقبني طوال النّهار، ولم يكن يترك فرصة تمكّنه من لمسي بعفويّة مصطنعة، إلّا واستغلها. وقد كان الارتباك والشّعور بعدم الارتياح يجتاحانني كلّما اقترب منّي.

بدأ يطلب منّي أعمالًا إضافيّة. وكنت أنجزها بسرعة حتّى لا أضطرّ إلى البقاء في العمل بعد انتهاء الدّوام، لكنّه كان يعرف كيف يبقيني بأن يطلب منّي أعمالًا أخرى، وهدفه الوحيد أن ينفرد بي بعد مغادرة جميع الموظّفين.

في البداية استطعت أن أقاوم وأبيّن له بأنّني لا أريد أيّ علاقة معه، لكنّه لم يكن يستمع إلى ما أقوله، ولم يكن يفهم رفضي، وكأنّنا في منافسة وقد قرّر فيها أن يكون هو الرّابح.

تجاوز سلوكه معي مفهوم التّحرّش، ليتطوّر إلى نوع من الاعتداء الجنسيّ، ينتهي منه سعيدًا وأنا محطّمة وخائفة.

صرت أكره عملي، وبدأت أتحجّج بالمرض فقط لأتمكّن من التغيّب عنه، حتّى بدأ يتّصل بي ويهدّدني بأنّه سيخبر الجميع بأنّني حاولت التّقرب منه إذا ما تغيّبت عن العمل مرّة أخرى.

استمر تحرّشه بي واعتداؤه عليّ، وبدأ خوفي يزداد من أيّ قرار سوف أتّخذه، لأنّه في كلّ الحالات سيكون على حساب استقراري وأمني المعيشيّ. ولكن إلى متى سأسكت عن انتهاك جسدي وكرامتي فقط لأنّني بحاجة للأجر الّذي أقبضه من عملي؟

لكنّ الأحداث كانت دائما تسبقني، وساعدت في تسريعها حالة الغضب الّتي كانت تتفاقم داخلي.

ذات يوم استدعاني إلى مكتبه، وما أن دخلت حتّى أقفل الباب وبدأ يطلب منّي ما اعتاد على أخذه بالقوّة. كانت هي المّرة الأولى الّتي يطلب منّي ذلك قبل أن ينصرف الموظّفون. رفضت وخفت أن ينفضح ما يحدث معي، وأصرّيت على رفضي، لكنّه جذبني بالقوّة ، فبدأت أصرخ  وأهدّده بأنّني سأخبر الجميع عنه. وكأنّني أعطيته جرعة من القوّة، فبدأ بدوره يصرخ عليّ وجذبني من يدي، دفعني باتّجاه باب مكتبه، وأخرجني أمام الجميع، وبدأ يلفّق تهمًا عنّي، بأنّني سارقة ومتحرّشة، وأنا من هول الصّدمة، لم أعد أسمع ما كان يقوله، فقط أنظر إلى الموظّفين الذين ينظرون إليّ بقرف، وقد جاءتهم الفرصة ليعبّروا عن رأيهم بي دون أيّ مواربة، وأفكر بما سيحدث لاحقَا.

كلّكم عرفتم ما حدث لاحقًا، فأنا اليوم بلا عمل، وأجري أو أي تعويضات عن سنوات عملي لم تدفع لي. ما يحزنني ِأنّني لم أستطع أن أرفع شكوى لأحد حّتى أحصل على حقّي في أيّ تعويض، ولم أجد من أخبره بالحقيقة لأنّ أحدًا لن يصدّقني.

أنا اليوم أحاول أن أقف على رجليّ من جديد. استطعت أن أشتري آلة خياطة أعتاش منها متى جاءني عمل. وأمنّي نفسي بأن أنجح يوماً ما في أن أحقّق نجاحًا في عملي المستقل الّذي يحميني من أن أكون تحت رحمة إنسان ظالم.

تم نشر هذه القصة كجزء من مشروع “تعزيز شمولية أفراد مجتمع الميم في أماكن العمل في لبنان”، المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي، والتي تنفذه جمعية العناية الصحية بالشراكة مع ACTED.  

related posts