27 Apr

قصة إيمان… سجن أبدي

تزوّجت وأنا بالكاد قد بلغت الثّانية عشرة من عمري. دخل الشّاب الغنّي بيتنا وكان يعمل في إحدى دول الخليج، بدأ يغدق بالمال على أبي الذي لم يستطع أن يقاوم مظاهر الرّفاهية التي ظهرت فجأة.

كنت طفلة أقضي يومي بالّلعب مع أولاد الحيّ الفقراء مثلي. لكنّني لم أستطع أن أتجاهل تلك النّظرات التي كان يرمقني بها وهو يعبر الطّريق داخلًا إلى بيتنا أو خارجًا منه. صرت أنتظر قدومه كل يوم، لأنّه في كلّ زيارةٍ لنا كان لي هديّة تجعلني في أقصى سعادتي. راودني شّعور بأنّ شيئًا ما سيغيّر حياتي، دون أن أفهم أنّ ما سيأتي سيكون فصلاً مأساويًّا لا نهاية له.

وجاء ذلك اليوم، لم يسمحوا لي فيه بالخروج للّعب كعادتي. صارت أمي تهتمّ بنظافتي أكثر. لم تعد تلبسني ثيابي القديمة المتسّخة. فجأة صار عندي فساتين جميلة وحلي، وصارت بنات الحي الصّغيرات مثلي تغرن منّي لأنّني صرت أملك ما لا يملكنه.

أيّام قليلة وجاء اليوم الموعود. وقفت في البيت وسط زغاريد النّساء وجيران يباركون الزّواج. طفلة تحوّلت إلى عروسٍ ترتدي ثوبها الأبيض. لم أسأل ولم أِشعر بالخطر أو الخوف. كنت سعيدة ومنبهرة بما يحدث لي.

أخذني زوجي إلى الخليج معه. أذكر ذلك اليوم وأنا أمسك بثوب أمّي وأرجوها أن لا تسمح له بأخذي. عدت تلك الطّفلة التّي لا تريد إلا حضن أمها فقط. لكنّ أمي لم تحضنني بل همست بأذني كلمات لم أفهمها، عن زوج وبيت جديد. خرجت معه وأنا أنتحب، وأخذني.

أرادني أن أتحول بسرعة إلى امرأة وزوجة. عانيت وحمّلت نفسي ذنب الفشل في القيام بما يطلبه منّي. لم أكن أعرف أنّني طفلة وللأطفال حقوق لا يجب أن تُسلب منهم.

في الثاّلثة عشرة أنجبت أولى بناتي. خرجت من الولادة بجسد منهك ومنتهك، وبروح طفلة أخافتها التجربة ولم تكن مستعدّة بعد لتنضج وتترك ذكريات اللّعب والبراءة. لكنّني قرّرت أن لا أستسلم. غلب على طفولتي شعور الأمومة.

بعمر الثّامنة عشرة كنت أمًّا لخمس بنات، وزوجةً لرجلٍ يستغلّني ويهيّئني للعمل بالدّعارة. صار يستقبل كلّ يوم، مجموعة من الرّجال في المنزل للعب القمار، ويجبرني على الجلوس معهم على الطّاولة، أضحك مع فلان وألاطف فلان، باختصار، كانت مهمّتي أن أقدّم الخدمات الجنسيّة لمن يدفع أكثر.

المال الشّهري الذي كان زوجي يرسله إلى أهلي، جعلهم يصمّون آذانهم ويغضّون البصر عن معاناتي. حاولت كثيرا أن أشكو إليهم، دون جدوى. وكان لا بد لي من أن أتصّرف.

أقنعته يومها أنّي بحاجة إلى رؤية أهلي، وافق بعد أن رجوته السّماح لي بزيارةٍ قصيرةٍ إلى لبنان . كنت قد اتّخذت القرار بأن أتحرّر من هذا السّجن الذي كبرت فيه. وصلت إلى منزل أهلي. سلمتّهم بناتي. وهربت.

اختبأت لدى أشخاص في مكان قريب، ليسهل عليّ أن أتقصّى أخبار أطفالي. وعرفت أنّه جاء وأعاد البنات معه. بقيت مختبئة، يعتصرني الألم، لكنّني لم أعد.

أمضيت سنة كاملة، أتنّقل من بيت إلى بيت. حاولت البحث عن عملٍ ولم أجد. نمت في بيوت أشخاصٍ تعرّفت عليهم في الشّارع أو في أماكن أخذتني إليها الحاجة إلى المال حتى أشتري ما يسدّ الرّمق ويبقيني على قيد الحياة. لم أكن أعرف مهنةً غير تلك التي احترفتها بتدريبٍ من زوجي.

حالة التّشرد التي وجدت نفسي فيها كانت مرهقة، فتزوّجت من أوّل شخصٍ طلب منّي الزّواج. رجل ٌكنت أعرف أنّه مدمنٌ على المخدّرات. وأعرف ايضًا أنّه يريد الزّواج منّي لأعمل لحسابه وقبلت. وافقت على هذا الزّواج، فقط لأنّني أحتاج إلى فراشٍ أنام عليه.

عشت في بيت مع ثلاثة مدمنين. زوجي وشقيقه وزوجة شقيقه، ومعهم تعرّفت إلى عالم المخدرات والإدمان. صرنا هي وأنا، نعمل معًا بالدّعارة. نخرج يوميًّا لاصطياد الزّبائن. كنّا بحاجة للمال لشراء المخدّرات، ووجدنا في بعضنا ملجأً للشكوى والبكاء، نسند بعضنا بعضًا كأختين في هذا العمل الموحش. في أوقات فراغنا كنا نبقى معًا، نتعاطى المخدرات والكحول، وينضم إلينا زوجينا في أغلب الأوقات.

أنجبت من هذا الزّواج أربع بنات وصبيّ. لم يكن لدي لا الوقت ولا الخيار حتّى أتوقف أو أجد مجالًا أخر أعمل فيه . فزوجي الذي كان يعمل يومًا يبقى شهورًا دون عمل، كنت أنا المعيل الوحيد.

ازدادت حالتي النّفسية سوءًا. أفكر ببناتي الّلواتي تخليت عنهنّ. وأفكر بأولادي من زواجي الثّاني يعيشون مع أبوين مدمنين مهملين. ومع كل شعور باليأس او الكآبة كان إدماني يزداد أكثر. وأمام كل واقعٍ قاسٍ يستجد، أجد نفسي أبحث عن أصناف أقوى من المخدّرات علها تساعدني على الهروب من واقعي. ولا مفر، هي دائرةٌ مغلقةٌ، أدور دائما فيها ومن خلالها.

مدمنةٌ على الكحول والمخدّرات، وأعاني من ارتفاعٍ في نسبة السّكر في الدّم. هذا ما أصبح عليه وضعي. كنت أحتاج إلى جرعتين من الأنسولين يوميًا، لا يتوفر من ثمنهم شيء.

تمنيت الموت مرارًا. لكنّني لم أقدم عليه. كنت أخاف على أولادي إذا ما متّ أن يكبروا وحيدين وجائعين.

قصدت أحد المراكز الصّحية للحصول على الدّواء، أدخلوني لأقابل الممرّضة، فطرحت عليّ أسئلةً لملء الإستمارة الصّحية، أخبرتها عن معاناتي مع الإدمان، وكنت كمن يستنجد بها لتساعدني وتنقذني من نفسي، لكنّها لم تفعل، بل بدأت بتوبيخي وقالت لي:” مش حرام عليك معك سكري وعم تشربي وتتعاطي، مش عارفة إنك بتاخذي الدوا وبتشربي كأنك ما أخذتي الدوا، ليش عم تاخذيه من درب غيرك؟ “. قلت لها أنّني حاولت التوقّف ولم أستطع، فأجابتني “الي ما بيعرف ربه هيك بيصير فيه، روحي استغفري ربّك وصلّي واتضبضبي”.

أستغفر ربّي كل يوم، فأنا إنسانةٌ مؤمنةٌ. لكنّني بحاجة للمساعدة والعلاج . أحلم بأن يكون ما عشته، كابوسا افيق منه، لأجد أولادي بجانبي، لكنهم تركوني كما تركتهم ولا يرغبو> بالتّواصل معي.

أحتاج أن أصرخ بأعلى صوتي أنّني إنسانةٌ ضعيفةٌ. أن أسير في الشّوارع وأخبر كلّ النّاس بقصّتي، علّني أجد من يشفق عليّ. هذا لم يحدث. بل أنا اليوم في السّجن. أخرج منه لأدخله من جديد، ولا فرق عندي. فكلّ الأمكنة بالنّسبة لي، سجن أبدي.

هذه القصة هي جزء من سلسلة قصص مستوحاة من واقع حياة عدد من السيّدات في لبنان يتم نشرها ضمن إطار مشروع “دعم حقوق النساء المهمّشات في لبنان”. يتم توثيق هذه الحالات من قبل كلٍ من جمعية العناية الصحيّة، جمعية عدل ورحمة وجمعية دار الأمل. تمّ تطوير هذه المنشورة بفضل دعم الشعب الأميركي من خلال الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID). إنّ محتويات هذه المنشورة هي مسؤولية الإستشاري، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر أو آراء الوكالة الأميركية للتنمية أو حكومة الولايات المتحدة.

related posts