25 Nov

أليكس: “تعرّضت لطرد تعسفيّ. وقالولي: يلي متلك ما بيستهالوا يعيشوا، عم تطالبني بإجرتك؟”

أصعب الأمور في حياتي هي الأمور الوسط. أنا وأمثالي لا يمكن أن يطلب منّا أن نكون في هذه النّقطة بالذّات. فإما أن نكون إناثاً، وإما أن نكون ذكورًا. أمّا أن يجبرونا على أن نكون ما يريدونه،  فهذا أمر مستحيل.

ولدت فتاةً، ولكنّني لم أكن في داخلي تلك البنت الّتي توقّعتها العائلة. فمنذ أصبحت في الرّابعة أو الخامسة من عمري ، وأنا أحبّ أن أتشبّه بالأطفال الذّكور.ألبس مثلهم، وأطلب من أهلي أن يقصّوا لي شعري، إذ لم أتخيل يوماً أنّ لي شعراً كشعر البنات.

حتّى تصرّفاتي كانت كالصّبيان. وكلماتي اخترتها ككلماتهم. وكنتُ أفرح كلما أطلق عليّ أحدهم إسم”حسن صبي”.

نضجت، ولم تعد كلمة حسن صبيّ تروق لعائلتي. مع أنني كنت صريحة معهم. قلت لهم إنّ في داخلي صبيًّا يكبر وليس فتاة. وحتى عندما أصبح عمري أحد عشر عاماً، كنت أعتزّ وأتباهى بحبّي لفتاة تسكن في الحيّ الّذي أسكن فيه.

تبدّلت كلماتهم عنّي، وتغيّرت نظرتهم إليّ، وما كانوا يضحكون منه في طفولتي، أصبح تهمة، وأصبحت الفتاة المنبوذة الّتي تحب الفتيات. وصرت كلّما فعلت شيئًا يقولون لي: “أنت بنت، هيدا مش تصرّف بنات”.

صرت أعمل في أي مكان يقبل بتوظيفي، في تلك الوظائف التّي أتقاضى عليها أجرًا يوميًّا وتواصل انتقالي من عمل إلى آخر بسبب المضايقات الّتي كنت أتعرّض لها من باقي الموظّفين ومن أصحاب العمل نفسهم. كل تلك المضايقات والإعتداءات اللفظيّة في مكان عملي كانت بسبب توجّهي الجنسيّ! لم يعد ينظر أحد إليّ كإنسان منتج فالح في مجال عمله! إنما يجدون أنني غير جدير بأيّ عمل أو وظيفة لمجرّد أنّ توجّهي الجنسيّ يختلف عن توجّهاتهم.

جميع من صادقتهم من فتيات، أنهين علاقاتهنّ بي، نتيجة لسمعتي بأنّني مثليّة، وطبعًا بسبب إلحاح ذويهم بأنّ رفقتي ستؤذي سمعتهنّ. وأنا لم أكن مثليّة، لأنّني لست أنثى. أنا متحوّلة جنسيّاً ولكن ليس هناك من تفهّم حالتي ولم أجد في محيطي من كان مستعدّاً لمساعدتي.

سنوات عمري مرّت هباءً، مضت وأنا محرومة من كلّ شيء، من عائلة تحبّني، ومن أصدقاء يشاركونني وأشاركهم الفرح والحزن، وطبعا كنت دائمًا محرومة من عمل دائمِ يؤمّن لي دخلًا ثابتًا أعيش منه بكرامة.

الجهد الّذي كنتُ أبذله في كلّ مرّة حتّى ألقى قبولًا عند النّاس أتعبني. صرت أكثر وحدة، أكبت مشاعري وأقنع نفسي بأنّني أستطيع أن أستمرّ وحيدة دون سند. لكنّني كنت مدركةً بأنّ ما أحاول إقناع نفسي به ليس سوى وهمٍ، فمن ليس بحاجة إلى أشخاص يمدّونه بالحبّ والثّقة؟!

عجزت عن اصطناع شخصيّة لا تشبهني، أن أكون الفتاة الّتي  تريدها عائلتي، فأنا ممثّلة فاشلة، وكاذبة فاشلة أيضًا، لذلك زادت الخلافات في البيت، حتّى وجدت نفسي دون مأوى.

 تدبّرت مبلغًا من المال بعد أن قمتُ ببيع بعض أغراضي، واستطعت أن أدفع إيجار غرفةٍ لمدّة ثلاثة أشهر، كانت خالية من كلّ شيء إلّا من فراش على الأرض، كان بمثابة غرفة النوم وغرفة الجلوس وغرفة الطّعام في آن.

وأصبح بحثي عن العمل هو عملي اليوميّ، حتّى وجدت وظيفة في معمل للصابون.في البداية كان السؤال الوحيد الّذي أتعرّض له هو ما إذا كنت شاباً أو فتاة. وبعد أن عرفوا طبيعتي، بدأ البعض يتجنّبني، والبعض الآخر وجدوا فيّ مادة للثرثرة والسّخرية، ومنهم من كان يوجّه لي كلمات موجعة وأنا أجيب عليها بالسّكوت خوفًا من أن اضطرّ إلى قول أشياء تؤدّي بي إلى الطرد من العمل وهذا ما لا أقوى على تحمّله.

كلّ يوم أذهب فيه للعمل، أقنع نفسي بأنني أستطيع أن أتجاوز الكلمات التي توجّه إليّ، وأنّه بإمكاني أن  أنظر في عيونهم الّتي تقول لي أكثر من كلماتهم، لكنّ الإهانات الّتي كنت أتعرّض لها من المشرف على العمل، كانت هي الحد الفاصل بين أن أستمرّ في العمل أو أن أتركه. وحصلت ذات يوم مشادة بيني وبينه، وكنت أدافع فيها عن نفسي، وأطلب منه أن يكفّ عن كيل الإهانات لي كلما رآني. وطبعًا لم يكن الوضع في صالحي وتقدم بشكوى ضدّي إلى صاحب المصنع، الّذي استدعاني بدوره وطردني من العمل، هكذا دون سابق إنذار. وعندما طالبته بأجري ضحك مستهزءًا وقال لي: “يلي متلك ما بيستهالوا يعيشوا، عم تطالبني بأجرتك؟”.

هل هكذا تُحترم حقوق الناس في العمل؟ هل أصبح الحصول على الأجر والحق في الحياة حكرًا على أشخاص وأشخاص؟ لم أرتكب أيّ ذنب سوى أنني لم أخجل من هويّتي الجندريّة! من سيعوَض لي ساعات من التعرّض للإهانات والتجريح من قبل زملائي فقط لأنّني لا أشبههم!؟

مرّة أخرى عادت حياتي لتكون مهدّدة. من أين سأحصل على المال لأدفع إيجار البيت، وإلى من سألجأ ليساعدني. كان كلّ شيء من حولي مظلماً، فاشتريت ثلاث علب دواء وشربتها كلّها. وعندما بدأت تظهر عليّ عوارض الموت، جبنت، واتّصلت بأختي فجاءت ونقلتني إلى المستشفى حيث أخضعوني لعملية غسل المعدة.

أنا الآن أعيش على المساعدات التي يقدّمها لي بعض الأشخاص المتعاطفين معي، لكن إلى متى سأستمر بالعيش هكذا على هامش الحياة؟ ومتى سأجد الفرصة الحقيقيّة في عمل يحترم قدراتي ولا تهمّه ميولي الجنسيّة؟ وكيف يتحقّق حلمي بأن أتمكّن من إجراء عمليّة تحوّلني إلى رجل، فأخرج إلى المجتمع بكل ثقة، وأتوظّف كرجل وأعيش مع المرأة الّتي أحبها؟

أنا لست فتاة. أنا رجل. خلقتني الطبيعة مختلفة عن غيري، ولم أختر ذلك.

لا أهل لدي ولا أصدقاء. أنا مكره أعيش عاطلًا عن العمل. أتحسّر على نفسي وعلى وضعي وعلى المجتمع الذي لا يساهم في توفير عمل لي، وإذا حصلت عليه لا ينفكّ يضايقني حتى أخسره من جديد. لست متعلّمًا لأنّ أهلي لم يرسلوني إلى المدرسة، أعيش على اللاشيء، وأطلب الرّحمة من الله يوميًّا.

أنا أليكس. أحب أن يكون إسمي أليكس.

تم نشر هذه القصة كجزء من مشروع “تعزيز شمولية أفراد مجتمع الميم في أماكن العمل في لبنان”، المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي، والتي تنفذه جمعية العناية الصحية بالشراكة مع ACTED.  

related posts