إبنتي … حلمٌ ضائع

20171201_115949
في اليوم العالمي لمكافحة الإيدز: إنتَ عايش فيك تتعايش
December 1, 2017
1A
تعزيز بيئة حاضنة للشباب المعرّض للخطر في لبنان
December 15, 2017
stock-photo-family-lifestyle-daughter-hugging-her-mother-and-looking-serious-black-and-white-portrait-261417194

حين يسكت الصّراخ، ويهدّ والدي السّكر والنّعاس يسود في بيتنا السّكونُ. ورغم تعبي كنتُ أبقى ساهرةً، أراجع أحداث يومنا التي غالبًا ما كانت مأساويةً، لأبرّر لأمّي كيف تركتنا ونحن طفلتين صغيرتين. لأسامحها لأنّها لم تعد تحتمل التّعذيب الذي لم يكن أبي يتقن غيره معها.

بين أمّي الغائبة وأبي المدمن، وجدتُ نفسي أتحمّل مسؤولية عائلةٍ مفكّكةٍ. تركتُ المدرسة لأعمل، وهمّي اليوميّ، أن أؤمّن لوالدي زجاجة كحولٍ وبعض الطّعام.  حين بلغتُ الخامسة عشر من عمري، عملتُ نادلةً في مطعمٍ، وفيه كانت بداية مأساتي.

كان يومًا حزينًا ومبكيًا، حاول فيه أبي التّحرش بي وبأختي حتى إنتهى منّا وبدأ يضربنا بشدةٍ. إستطعنا أن نفلتَ من بين يديه. إستعدنا أنفاسنا، وخرجَتْ كلّ منّا إلى عملها.

في تلك الليلة، بعد أن إنتهت الفرقة الموسيقيّة من العزف. وفرغ المطعم من معظم زبائنه، إقترب شابٌ ممّن يعزفون في تلك الفرقة من المشرب، ونجح في إستدراجي لأتحدّاه بقدرتي على الشّرب. وجدتُ نفسي في منافسةٍ نسيتُ ما كنتُ أريد أن أثبته من خلالها، حتى فقدتُ السّيطرة على نفسي، وإنتهى بي الأمر معه في السرير، هو إبن السّابعة والعشرين المتزوج، وأنا إبنة الخامسة عشر التي عاشتْ قبل ساعاتٍ قليلةٍ علاقةً صادمةً مع والدٍ مجرمٍ.

إستمرّتْ علاقتنا بالطّريقة التي بدأتْ بها، شربٌ وفقدانٌ للسّيطرة وجنس. حتى بدأتْ تظهر عليّ علامات الحمل. طلبتُ منه أن يساعدني في التّخلص من الجنين. رفض، وأقنعني بخطأ ما أفكر فيه. ووعدني بأن يطلّق زوجته ويتزوّجني، وذلك طبعاً ما لم يحصل. ستّة أشهرٍ وأنا أخفي حملي عن الجميع، لكنّ زوجة عمّي إكتشفتْ الأمر، أخبرت والدي وكانت الكارثة.

وصل إليّ كالمجنون، كبّل رجليّ بسلسلةٍ من الحديد وأوثق ربطهما بالكنبة، فصرتُ مستلقيةً على الأرض أتلقى منه الرّكل والضّرب، أصرخ دون أن يُسمح لأحدٍ من الإقتراب مني ليسعفني. تمنيتُ الموت. لكنّني لم أمت. بل تحاملتُ على أوجاعي، واستطعتُ أن أخلع الكنبة وأتحرّر من مكاني. وبمنشار حديد، قطعتُ السّلسلة وهربتُ من المنزل.

خروجي إلى الشّارع كان، كمشهدٍ سينمائي. ثيابي مغطّاة بالدّماء. نصف سلسلة الحديد كانت ماتزال معلّقة بيدي لم أستطع إنتزاعها. والنّاس ينظرون إليّ. وصلتُ إلى مخفر الشّرطة. ساعدوني وطلبوا أبي للتّحقيق وأدخلوه السّجن. غادرتُ المخفر وقد حسمتُ قراري بأن لا أعود إلى البيت أبدًا.

بقيتُ أيَامّا أجوب الشّوارع، وأنام في موقفٍ للسيارات، لم أكن أعرف شيئًا عن وجهتي.

هناك، إلتقيتُ بشاب، أخذني معه إلى شاليه يقيم فيه، عرض عليّ الزّواج وأبدى استعداده أن يسجّل الطّفل على إسمه. لم يكن بيدي أن أرفض، وذهبتُ معه إلى سوريا حيث تزوّجنا.

 بعد ولادة طفلتي تغيرتْ معاملته لي. بدأتُ أرقص في ملهًى ليليّ، ويحصل هو على كلّ المال. كنتُ أتلقى منه الضّرب والإهانات ولم أكن أحتمل. شكوته إلى صاحب العمل. فسهًل لي الهرب إلى لبنان عن طريق أحد المهرّبين.

 تنّقلتُ من منطقةٍ إلى أخرى ومن عملٍ الى آخر، حتّى نجحتُ في فتح كشكٍ أبيع فيه القهوة والكحول. وسكنتُ وإبنتي في غرفةٍ خلفيّة. كنتُ أستقبل الزّبائن ليلاً لأمضي فترة النّهار بجانبها. كان وضعي مستقرًّا. لكنّ القدر لا يعاند سوى أمثالنا من الفقراء.

 طَرقاتٌ على الباب جعلتْ قلبي يطرق بقوةٍ، شعرتُ أن ذلك الواقف خارجًا سيسلب مني كل أملٍ بمواصلة الحياة. فتحتُ الباب، رأيتهم يقفون أمامي، أشخاصٌ لا أعرفهم. تحدّثوا إليّ وعيونهم تبحث وتجد طفلتي النّائمة المطمئنّة. عرّفوا عن أنفسهم بأنّهم من قبل مكتب حماية الأحداث. قالوا لي كلامًا كثيرًا عن استغلال الأطفال، وعن طفلتي التي تعيش في محيط غير آمن. وبدون أي مقدّمات، إنتزعوا إبنتي مني وسلّموها لإحدى المؤسّسات الإجتماعية.

أخذوها وغادروا. أصبتُ بنوبةٍ من البكاء والصّراخ لم تنته حتّى صرتُ جسداً بلا روح. بقيتُ جالسةً في فراشها أحتضن أغراضها ولعبها التي تركوها خلفهم.

لم تقدني أفكاري إلى شيء سوى استرجاعها. حزمتُ أمري. غادرتُ غرفتي. ووصلتُ إلى المؤسسة التي أخذوا ابنتي إليها. كنتُ أنادي باسمها وأبكي علّ أحدهم يشفق عليّ ويسمح لي برؤيتها. جاءني أحدهم ليقول لي أنّ من تسكن إبنتها في مكانٍ تستقبل فيه زبائنها ليست أهلًا لتربيتها. وإن مكان إبنتي ليس معي بل في هذه المؤسسة. أمروني  بالإبتعاد عن المكان وبدأوا يعايرونني بعملي. إتّهموني بأنّني أمٌّ فاسدة غير مسؤولة، ولا يحق لي أن أسترجع طفلةً لا أستطيع أن أقدّم لها الأمان. لم يفهموا أنّني لم أكن لأعترض على توفير حياة آمنة لطفلتي، لكنّني لن أقبل بأن يبعدوا عني الأمل الذي من أجله عانيتُ وتألمتُ.

توسّلتهم عبثًا أن يجدوا حلًّا آخرًا، أن يتركوها معي في مكانٍ يصلح لأربيها فيه. لم ألقى أيّ تجاوب. حاولت أن أخبرهم أنّني أيضًا أحتاج للمساعدة لأنجو من شكل الحياة التي أعيشها. لأرضى عن ذاتي وأكون نقطة نور في مستقبل ابنتي. والجواب كان أنّ دورهم هو إنقاذ ابنتي منّي ومن خطري عليها.

 إستمرّيتُ بالصّراخ والإستجداء. أحضروها بعدما يئسوا منّي. وهم يسمعونني كلماتهم القاسية والمهينة. حين إقتربت منّي إحتضنتها لأشبع من رائحتها. ووجدتُ نفسي أحملها وأركض باتّجاه الباب الرئيسي، لقد قرّرتُ أن أخطف ابنتي وأعيدها إلى قلبي. لم أصل حتى كانت الشّرطة تحاصرني وتعيدها إلى المؤسسة. سجنوني بتهمة محاولة خطف. وصدر القرار من المحكمة بمنعي من رؤيتها نهائيًّا.

بعد خروجي من السّجن لم يكن لي من مكان أذهب اليه، فعدتُ إلى بيت والدي. وعاد كل شيء يتكرر من جديد.

 باب الخلاص الذي توهّمتُ أنّه فُتح أمامي، كان الزّواج من شابٍ وعدني بكلّ الأشياء الجميلة. لكن القدر السّاخر لم يفارقني، وتبيّن أنّ زوجي وصديق له كانا قد قرّرا أنّ الزّواج هو الطّريق الأسهل لدخول سوق الدّعارة. فكانا يدّبران لنا أنا وزوجة الأخير الزبائن، ويرافقاننا إلى بيوتهم، ينتظراننا خارجًا ليقبضا المال بعد أن ننهي مهمّتنا.

بعد عمرٍ من المعاناة والقهر، أنا اليوم، أمٌ لفتاةٍ ممنوعةٌ من رؤيتها. تركتُ زوجي وأعماله السّيئة، وأقود سيارة أجرة. ربّما ستكافئني الحياة يومًا بعودتها إليّ. لكنّني دائمًا أسأل، لو بقيت إبنتي معي وتلقينا معًا الإحتضان من تلك المؤسّسة أو غيرها، هل كان سيحصل لي ما حصل؟

بقلم: هدى أبو شقرا 

“ّهذه القصة هي جزء من سلسلة قصص مستوحاة من واقع حياة عدد من السيّدات في لبنان يتم نشرها ضمن إطار مشروع “دعم حقوق النساء المهمّشات في لبنان”. يتم توثيق هذه الحالات من قبل كلٍ من جمعية العناية الصحيّة، جمعية عدل ورحمة وجمعية دار الأمل. تمّ تطوير هذه المنشورة بفضل دعم الشعب الأميركي من خلال الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID). إنّ محتويات هذه المنشورة هي مسؤولية الإستشاري، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر أو آراء الوكالة الأميركية للتنمية أو حكومة الولايات المتحدة”. 

Please wait...

NewsLetter

.
The Philosophy of Design is The Art of Creativity Made Simple|The Philosophy of Design is The Art of Creativity Made Simple
Designed|Developed|Created|Invented by AMF Lebanon